الأخبار الوطنية والسياسية

ابتكر سلة مهملات ذكية ودراجة صديقة للبيئة

الشاب "نزيم" يبدع ويتألق في سماء الاختراعات الإيكولوجية

 في الوقت الذي تحولت شوارعنا وأزقتنا ومؤسساتنا إلى "مكب" للقمامات نتيجة للرمي العشوائي لشتى أنواع القاذورات، هنالك شباب يتعدى شغفهم تنظيم مجرد حملات للتنظيف بكثير إلى درجة صاروا عندها يفكرون في خدمة المجتمع بتوظيف خيالهم العلمي،"نزيم" واحد من هؤلاء الذين حباهم الله بذكاء مفرط وإبداع علمي فائق استطاع رغم العراقيل والصعوبات أن يدخل عالم الاختراعات الإيكولوجية من بابه الواسع...

رغم أنه لم يتجاوز ربيعه الـ22 ولم تطأ قدماه مدرجات الجامعة، إلا أن "محمد نزيم عبدي" رفع التحدي ليسطع نجمه في سماء الاختراعات المحافظة على البيئة، ليكون بذلك عينة من طينة الشباب الجزائري الذي قال عنه العلامة عبد الحميد بن باديس: "إن الطينة الجزائرية، طينة علم وذكاء إذا واتتها الظروف"، وكما قال الشيخ البشير الإبراهيمي في إحدى أروع خواطره: "أتمثله واسع الوجود، لا تقف أمامه الحدود، جاعلا أول الفكر آخر العمل، حلف عمل لا حليف بطالة، وحلس معمل لا حلس مقهى، أتمثله مقبلا على العلم والمعرفة إقبال النحل على الأزهار والثمار لتصنع الشهد، والشمع".

بداية قصة "نزيم" كانت من ورشة حميش المتخصصة في صناعة الأجهزة الكهرومنزلية بالصومعة في ولاية البليدة، عندما تلقف صاحب الورشة مشروع الشاب بعد أن سدت في وجهه كل الأبواب، ليتمكن في ظرف وجيز من تجسيد اختراعه المتمثل في "الدراجة الثلاثية المنظفة إيكولوجيا"، والتي افتك بفضلها الجائزة الأولى في مسابقة أولمبياد العلوم الجزائر2016، إضافة إلى اختراعه "سلة ذكية للمهملات" على شكل رجل آلي.

"نزيم" فتح قلبه لـ"الأحداث" وأكد أن مغادرته لمقاعد الدراسة عند مستوى الثالثة ثانوي لم يكن نقطة يأس أبدا، بل كان المنعرج الحاسم في حياته، حيث عمد إلى رسم الخطوط العريضة لمساره العملي والعلمي في الوقت ذاته...يقول في هذا الحوار...

بداية، كيف دخلت عالم الاختراعات ؟

كان رسوبي صدمة لي ولأسرتي الصغيرة خاصة وأنني كنت نجيبا ومن الأوائل، ولكنني وظفته لصالحي بأن برمجت رسالتي في الحياة وكتبتها وبدأت بتطبيقها من خلال ولوج عالم الاختراعات التي تعد "الدراجة الثلاثية المنظفة إيكولوجيا" و"سلة المهملات الآلية الذكية" أبرز ثمارها...

هل يمكن أن تطلع القراء عن الخطوات الأولى لتجسيد فكرة اختراع الدراجة الثلاثية المنظفة إيكولوجيا ؟

 لقد نمت الفكرة وتطورت، خطرت ببالي وفكرت فيها مليا وأعدت النظر فيها واهتديت إليها بعد أن تابعت شريطا وثائقيا حول مختلف الاختراعات الإيكولوجية الصديقة للبيئة ومخاطر التلوث في اليابان...وبعد مغادرة منزلي العائلي ببضعة خطوات متوجها إلى عملي كالعادة، التقيت جاري "سليم" عامل النظافة وهو منهمك في أداء عمله الشاق والأمطار تتهاطل عليه، وبينما أنا أسير، عادت بي الذاكرة لأزاوج بين "مشهد الشريط" و"وضع سليم" الذي تقدمت به السنون تاركة آثارها على جسده المنهك، فتبلورت لدي الفكرة لتمكينه من أداء عمله النبيل ومنه كل عمال النظافة على أكمل وجه وفي ظروف أحسن، وذلك عن طريق اختراع دراجة مزودة بعديد التقنيات العملية البسيطة ذات الخصائص التي تسمح بممارسة عمله بكل أريحية.

ماهي خصاص وومميزات هذه الدراجة ؟

أهم خاصية للدراجة الثلاثية هي أنها تسهل مهام عامل النظافة لأدائها بمرونة عالية كونها مصممة للتنظيف في الأماكن الضيقة والملتوية، حيث يمكن لأي شخص أن يعمل بها وهي في متناول العامل البسيط كونها غير معقدة ولا تحتوي على أية مكونات إلكترونية، كما أنها تسمح بالتنظيف وممارسة الرياضة في نفس الوقت وهي غير مكلفة، بحيث أن تكاليفها لا تفوق الخمسة ملايين سنتيم وقطع غيارها متوفرة، على عكس "شاحنة الكنس الأوتوماتيكية" التي تستنزف الواحدة منها ما يقارب المليار سنتيم من خزينة الدولة، فضلا عن قطع الغيار الباهظة الثمن والقليلة.

وبعملية حسابية بسيطة بالإمكان صنع 200 دراجة ثلاثية صديقة للبيئة محليا بدل استيراد شاحنة صغيرة واحدة من الخارج ملوثة للمحيط بغازاتها السامة ودخانها المزعج.

هل يمكن أن تشرح أكثر مدى فائدتها بيئيا ؟

أول ما ركزت عليه هو مراعاتها للبيئة، "فشاحنة الكنس الأوتوماتيكية" مثلما أشرت سابقا تنظف وتلوث في آن واحد، بينما الدراجة الثلاثية تمكن المنظف من ممارسة الرياضة والتنظيف دون تلويث للمحيط.

وما هي الإكسسوارات التي دعمت بها اختراعك ؟

الإكسسوارات لم تكن بطريقة اعتباطية بالمرة، بل حددتها بعد وضع استمارة استبيان ومقابلة مع عدد من عمال النظافة الذين سألتهم عن احتياجاتهم والمشاكل التي يواجهونها أثناء تأدية مهامهم، ما مكنني من تلقف عدة إجابات، حولتها بعد ذلك إلى أفكار ثم خططت لهذه الأفكار ووصلت إلى مرحلة التنفيذ.

والآن إليك أهم إكسسوارات الدراجة المتوجة بالمرتبة الأولى في أولمبياد العلوم الجزائر 2016 ...

أول ما أدرجته على الدراجة مطفأة، لاستعمالها عند الضرورة في حال نشوب حرائق، كما زودتها بمغسل لليدين معقم لحماية العامل من الجراثيم والأمراض الجلدية خاصة بحكم طبيعة عامل النظافة، إلى جانب علبة صيدلانية لاستعمالها للضرورة أيضا.

وبما أن أجر هذا الأخير زهيد، خصصت له درجا معقما لتخزين الطعام المصطحب من المنزل، ليضعه في مكان آمن وصحي بعيدا عن أشعة الشمس والغبار المتطاير.

كما وضعت خزانة صغيرة لحفظ ملابسه بعد أن لاحظت أحد العمال واضعا معطفه فوق حاوية للقمامة إثر ارتفاع درجات الحرارة نهارا مقارنة بالصباح الباكر، وسهرا على حماية العامل من حوادث المرور وبالخصوص ليلا أو في الصباح الباكر وأثناء الضباب، وضعت ضوءا دوارا متلألئا "فانوس" أو ما يعرف بالـ "جيروفار باللغة الفرنسية".

وفيما يتعلق بعمل الدراجة، فقد زوّدتها بمكنسة جانبية يمكن ضبطها حسب عمق الخندق، إضافة إلى مكانس كبيرة في الأمام على شكل حرف U أي عكس كاسحات الثلوج، فهذه التقنية تمكن من جمع النفايات وفق نظام شفط سهل ثم رفعها بمجرفة خصصت لها مكانا هي الأخرى، كما  يمكن فك وتركيب سلة النفايات بسهولة للقيام بتفريغها وتنظيفها.

بين الاختراع والاستخدام اليومي للدراجة، ألا ترى أنه يتعذر تسويقها مثلا ؟

المشروع موجه أساسا إلى الفضاءات الكبرى والساحات العمومية والقاعات والمطارات وغيرها، حيث أن مكانس الدراجة التي يقدر عرضها بـ01 متر يمكنها تنظيف مساحة 1000 م2 على سبيل المثال في 10 مرات ذهابا وإيابا.

لكن هل استخدامها سيكون ذو فائدة إن علمنا أنها تخلف الغبار وإزعاج المواطن في الشوارع مثلا ؟

لقد سبقتني بسؤالك الوجيه، فما كنت بصدد الحديث عنه هو نظام الرش في نفس وقت الكنس توخيا للتطهير والتنظيف، حيث وضعت حنفية صغيرة مزودة ببرميل ذو سعة 20 لتر مربوط بالحنفية الموصولة هي الأخرى بأنابيب تؤدي إلى المكانس، فعند سير المنظف بسرعة 4 كلم/ساعة يرش ما مقداره 20 سل وهو ما يعادل علبة صغيرة من العصير على مساحة قدرها 01 م2 وبالتالي فإنه لا يترك أية أوساخ خاصة عند إضافة منظفات أخرى كالجافيل ونحوه من المواد المطهرة.

كم استغرقت من الوقت لتجسيد اختراعك ؟

أخذ مني الاختراع شهرا كاملا، ثم واجهت بعض الصعوبات التي زالت في ظرف 48 ساعة فقط عقب توجهي إلى ورشة حميش بالصومعة.

وهل ما زال الدعم أم توقف ؟

أصدقك القول أن الدعم توقف وفقدت الأمل بعد تتويجي في الأولمبياد وأنا الذي لم أكن أعتقد ذلك البتة، حيث لم يتصل بي أي مستثمر لتشجيعي أو أية جهة أخرى لاعتماد اختراعي، ولم تلق مواهبي وإبداعاتي واختراعاتي وما جادت به أفكاري وأناملي من يقدرها ويحتضنها ولسان حالي يقول: "هل من مهتم بمجهوداتي التي تصب في خانة الحفاظ على البيئة وتقليص فاتورة استيراد الآلات الملوثة إيكولوجيا بالعملة الصعبة".

اختراعك لقي تتويجا وطنيا، كيف كانت المشاركة في الأولمبياد ؟

كانت منافسة شديدة بمشاركة أكثر من 20 متنافسا من شتى ربوع الوطن وبعديد الاختراعات، على غرار لوحات للطاقة الشمسية، هواتف ذكية تعمل بالوميض، مجسم لسفينة طارق بن زياد، مهد يتأرجح بمجرد بكاء الرضيع، طابعة ثلاثية الأبعاد وغيرها.

وهل من مشاريع مستقبلية ؟

بالطبع، فلي مشاريع أخرى في طور الإنجاز رغم نقص الدعم ونقص الإمكانيات، فأنا أفكر في اختراعات من شأنها تسهيل الحياة اليومية للمواطن بطريقة عملية وفعالة وبأقل التكاليف الممكنة.

ماهي هذه المشاريع ؟

أنا الآن بصدد اختراع "حقيبة ذكية" لفائدة الحجاج والمصورين والتوبوغرافيين وعمال الصحراء دون المزيد من التفاصيل التي أفضل الكشف عنها بعد استكمالها.

وماذا عن سلة المهملات الآلية الذكية ؟

هذا الاختراع مكنني مؤخرا في منافسة شديدة في إحدى المسابقات بولاية المدية، من الظفر بالمرتبة الثالثة من بين 32 اختراعا شارك به 95 متنافسا من مختلف ربوع الوطن، جلهم طلبة جامعيون وباحثون.

وفيما يخص سلة المهملات الذكية على شكل رجل آلي، فإنها تتحدث إلى المارة وخاصة الأطفال وتتفاعل معهم بفضل أجهزة الاستشعار المزودة بها لدعوتهم إلى رمي فضلاتهم فيها وتشكرهم على تصرفهم الحضاري، كما أنها جذابة للفئات الصغرى بألوانها وأضوائها الزاهية، وهي مزودة بنظام فرز للنفايات (زجاج، بلاستيك، ورق، حديد، ومواد عضوية)، كما يمكن استخدامها في المؤسسات التربوية للتحسيس بضرورة الحفاظ على البيئة.

كلمة أخيرة....

شكرا لك ولمنبرك الإعلامي المتميز كونه منحني الفرصة للحديث عن اختراعاتي التي تعد بالنسبة لي متعة خالصة ومن أفضل تجاربي في الحياة.

عامل النظافة سليم له ما يقوله عن الاختراع...

عامل النظافة "سليم" جرب الدراجة وأبدى إعجابه الكبير بها، مناشدا الوصايا اعتمادها لفائدة أعوان النظافة كونها تساعده على ممارسة الرياضة والحفاظ على البيئة، فضلا عن تسهيل تنقلاته من المنزل إلى العمل وحفظ الأكل وغسل يديه قبل تناوله وكذا وضع ملابسه.

هل ستستغل ابتكارات "نزيم" في إعادة بريق مدينة الورود...؟

وفيما يتعلق بمجهودات مصالح ولاية البليدة التي أطلقت حملة واسعة لإعادة بريق مدينة الورود مثلما سماها مؤسسها الشيخ سيدي الكبير، والتي غابت عنها لعدة عقود، تظل ابتكارات "نزيم" في حاجة لمن يهتم بها من سلطات ولائية وجهات معنية من خلال تجربتها على مستوى المواقع المناسبة والفضاءات والمؤسسات التربوية لغرس ثقافة المحافظة على البيئة ومن ثمة تعميم التجربة ودعم الشاب المبتكر ماديا ومعنويا.

ومن شأن هذين الاختراعين أن يعززا مبادرة والي البليدة عبد القادر بوعزقي بالتنسيق مع جمعيات المجتمع المدني في الحفاظ على البيئة والمساهمة في إنجاح "مسابقة البليدة الوريدة" في طبعتها الأولى لأنظف بلدية وحي ومؤسسة ومحل تجاري بغية إعادة الاعتبار للوسط البيئي والمحيط ونظافة الأحياء والمؤسسات.

وبإمكان الدراجة الثلاثية وسلة المهملات الآلية الذكية، أن تساهمان في المحافظة على شوارع وطرقات وأزقة ومؤسسات الولاية التي باتت تستعيد رونقها وجمالها تدريجيا، لا سيما في حال استغلالها من طرف مؤسسة "متيجة نظافة".

يذكر أن السلطات الولائية قد أطلقت حملة واسعة لغرس 290 ألف وردة ونبتة وزهرة وفسيلة على مستوى 350 نقطة عبر كل بلديات الولاية ومؤسساتها، وذلك بمناسبة اليوم العالمي للغابات 21 مارس من كل سنة تحت شعار "معا لنعيد للبليدة ورودها".

"نزيم" عينة عن شباب الجزائر المبدع

اختراع نزيم ، ليس هو الأول من نوعه، ولن يكون الأخير مادامت الجزائر تنجب العباقرة فهي خزان كبير للكفاءات والطاقات المبدعة، حيث رفع " نزيم " التحدي وغيره ممن أذهلوا العالم بأفكارهم وملكاتهم وسعوا لرفع اسم الجزائر عاليا وتشريف الوطن الغالي وكتابته بأحرف من ذهب، على غرار الباحث "عبد الرحيم بورويس" المتوج في مسابقة القمة العالمية لمجتمع المعلومات العام 2015 بجنيف بفضل مشاركته بتطبيق محمول مبتكر يخص المكفوفين.

بالإضافة إلى "محمد دويمر" الفائز في مسابقة نجوم العلوم باختراعه الذي يشخّص إصابات الحيوان وأوجاعه أثناء سيره، والطفل "رضوان عباد" الذي اخترع مولدا كهربائيا لسكان غزة، والمخترعة "مليكة مختاري" المتوجة بالجائزة الأولى في مسابقة الأولمبياد الدولية بتونس للمخترعين باختراعها سوارا لتشخيص الأمراض .

والقائمة طويلة لشباب الجزائر الذين قال عنهم الشيخ المبارك الميلي: "إن الجزائر منبت الرجال، ومعدن نبوغ ومطلع بدور".

الأكثر قراءة