ثقافة

التعددية المذهبية ساهمت في التضييق على دائرة الدين الإسلامي

 ابن باديس اتفق مع النورسي و اختلف مع الأفغاني في عملية التغيير

احتلت القضايا الإسلامية حيزا كبيرا في أطروحات رواد النهضة السلفية الإصلاحية الحديثة منذ القرن التاسع عشر عندما انتبه رواد السلفية الإصلاحية الحديثة إلى ما ساد في العالم الإسلامي من تمذهب و صراعات طائفية مما أدى إلى التضييق على الدين الإسلامي و تخلف الأمة الإسلامية، فما كان عليهم إلا الدعوة إلى تجديد العلاقة بين الإصلاح الديني و التقدم، و أجمع الباحثون على أن التعددية المذهبية و الصراعات الطائفية ساهمت في التضييق على دائرة الدين الإسلامي
          كانت ورقة قدمها باحثون من دول المغرب و المشرق العربي  في ملتقى دولي حول فكر العلامة عبد الحميد ابن باديس و منهجه في الإصلاح، و أسباب تخلف الأمّة الإسلامية وخروجها عن نهجها الربّاني، و كيف ركز السّلف الصالح على تصحيح المعتقد من شوائب الشرك الظاهري و الباطني بالرجوع إلى الينابيع الصافية للدين الإسلامي و تقويم أسباب الجمود في الأمة الإسلامية، مع ذكر ملامح التجديد العقدي عند العلامة الجزائري عبد الحميد ابن باديس في محاضرة ألقاها الدكتور عمر مباركي من المغرب مختص في علوم العقيدة و الفكر الإسلامي، أشار فيها إلى أن ابن باديس قدم مشروعا فكريا سمته التجديد ، و كانت له رؤية أوسع شملت الوطني العربي ككل مرورا بالمغرب العربي، فقد كان لابن باديس دورا فعالا في دعم ما سمي بـ: ثورة الرّيف في المغرب"، و أضاف الدكتور عمر مباركي أن ابن باديس ليس مفكرا أو علاّمة أو مصلحا بل هو مجدد، و متفتح على العلوم العصرية و مستوعبا للحظة التاريخية التي كانت تعيشها الأمة الإسلامية.
       كما ساهم ابن باديس في إطفاء فتن كانت ستقوم  بين المسلمين و النصارى في زمانه، و وقف بين الآراء المتضاربة عن طريق جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي وحدت بين المذاهب في الجزائر و أخرج الجزائر من ضيق القطرية، ما جعله يصنف بالمصلح و المجدد  للنصوص الدينية و التراث العربي الإسلامي،  لأنه رفع الإسلام فوق كل المذاهب ، و هو ما أكدت عليه الدكتورة كريمة محمد كربية من تونس مختصة في الحضارة الحديثة و الأدب و اللغة العربية  التي تطرقت إلى واقع الحركات الإصلاحية، مقدمة أوجه المقارنة بين المصلح و المجدد جمال الدين الأفغاني و بين ابن باديس، و أشارت كريمة محمد كربية  بالقول أن الأول اتخذ القوة و السيف في عملية إصلاح المجتمع، و أما ابن باديس ارتكز على التربية و التعليم، فكان يرى الإسلام لا حدود له و لهذا كانت عملية التغيير عنده "عالمية"، ووصفت الدكتورة كريمة محمد كربية ابن باديس بالبذرة التي أثمرت و أتت أكلها، داعية إلى إحياء أفكار الرجل و إعطائه حقه في التعريف به و دراسة آثاره، لأن هناك تيارات تتعايش انطلاقا من فكر ابن باديس، و منه برزت العديد من الحركات التي تعتمد على العقل في علاج القضايا الإسلامية، و تيارات  أخرى تطفلت على نصوص  محمد أركون، الذي تعامل هو الآخر مع التراث.
و إن اختلف منهج العلامة الجزائري عبد الحميد ابن باديس الإصلاحي مع جمال الدين الأفغاني، فقد كان ابن باديس على توافق كبير مع الشيخ سعيد النورسي في عملية الإصلاح و التغيير و محاربة التعصب و الطرقية، كما حارب الاثنان فكر الانفصالية و حمل كل واحد منهما على كتفه رسالة الإسلام و رفض الاثنان الفتاوي التي تخدم الاستعمار، و بسبب التضييق عليه في تركيا اختار الشيخ النورسي بلاد الشام ليواصل دعوته، و لنفس الغرض اختار ابن باديس بلاد الحجاز ليحقق التغيير السلمي في البلاد العربية، ليبق السؤال حول تأخر المشروع النهضوي و الإصلاحي في الجزائر؟ إشكالية عالجها الأستاذ سليم أوفة من المدرسة العليا بوزريعة الجزائر العاصمة، أرجع الأسباب إلى الانحراف الثقافي، مبرزا أهم العوامل التي أدت إلى فشل الانبعاث النهضوي  منها الصدمة المبكرة للحركة الاستعمارية، و السياسات الاستعماري الهدامة، و التضييق على العلماء و النخبة و الإعلام،، غياب المؤسسات الثقافية و الدينية، الستار الحديدي الذي ضرب على الجزائريين و فصلهم عن المشرق العربي، لولا المهاجرين الجزائريين في المشرق العربي الذين لعبوا دورا مهما في إحياء هذه النهضة، و منهم الأمير عبد القادر، الذي خلق انتعاشا فكريا و ثقافيا في المشرق من خلال طبع المخطوطات، و اعتماده على الطرق السلمية و السياسية في المقاومة خاصة في المدن الكبرى التي كانت المركز الأساسي و الفكري للحركات الوطنية.