الأحداث الإقتصادية

بشير مصيطفى في حوار مع "الأحداث"

"مناخ الأعمال في الجزائر طارد للاستثمار"

 قال الخبير الاقتصادي مصيطفى في حوار مع "الأحداث أن البلاد على حافة الأزمة المالية على بعد بضعة أشهر ودعا إلى ضرورة الإسراع لإنجاح المرحلة الانتقالية

دق أمس، كاتب الدولة السابق المكلف بالإحصاء والاستشراف بشير مصيطفى ناقوس الخطر جراء الأوضاع الاقتصادية الراهنة والمتميزة حسبه بتآكل احتياطي الصرف وانخفاضه لأول مرة تحت عتبة الـ 100 مليار دولار (سيكون في حدود 96 مليار دولار شهر جويلية المقبل)، إلى جانب تسجيل مؤشرات حمراء لميزان المدفوعات والميزان التجاري والسيولة خارج البنوك (تتراوح ما بين 34 و 90 مليار دولار)، وارتفاع نسبة التضخم المتوجهة نحو 10 بالمائة ما انجر عنه ارتفاع في أسعار مختلف المواد الاستهلاكية وانعكاس ذلك سلبا على المستوى المعيشي للمواطن.

و على هامش ندوة علمية بجامعة الخروبة حول "منهج التفكير الإسلامي والقضايا المعاصرة"، قال أن مؤشرات "الماكرو" الاقتصادية تدل على أزمة الموازنة وظهور الملامح الأولى للأزمة المالية.  ودعا إلى ضرورة الإسراع لإنجاح المرحلة الانتقالية من نموذج النمو التقليدي المبني على الريع إلى نموذج النمو الجديد المطروح في أشغال اجتماع الثلاثية ما قبل الأخير بولاية بسكرة، وذلك من خلال إعداد بطاقات فنية وتقنية تضاف إلى مختلف الإجراءات اللازمة لمواجهة مخاطر الأزمة المالية خاصة في ظل شح السيولة المالية وتواجد زهاء 96 مليار دولار خارج البنوك والتي استقطبها المجال التجاري المساهم بـ 38 في المائة من الناتج الداخلي الخام بسبب مناخ الأعمال غير المشجع على الاستثمار في الجزائر...

 في البداية، ما هي الحلول الناجعة حسب رأيكم للنهوض بالاقتصاد الوطني ؟

يجب اتخاذ كافة الإجراءات والآليات لتشجيع الاستثمار الوطني واستقطاب السيولة الموجودة خارج البنوك (تتراوح ما بين 34 و90 مليار دولار حسب آخر التقديرات)، بينما استقطبت هذه الأخيرة نحو 10 مليار دولار فقط، ما يدل على وجود سيولة كبيرة خارج القنوات الرسمية والتي تقارب احتياطي الصرف المتآكل (سيبلغ 96 مليار دولار بعد 04 أشهر).

 في رأيكم، ما هو سبب العزوف عن ضخ الأموال في البنوك ؟

أولا هناك سبب رئيسي مباشر يكمن في الحاجز النفسي بين أصحاب السيولة والنظام البنكي والمصرفي في الجزائر كونه مبني على الفائدة وسلبياتها لدى المواطن الذي يفضل توظيف أمواله بعيدا عن القنوات البنكية وبالخصوص في مجال التجارة وانتظار العائد منها، وهو ما يفسر انتشارها ومساهمتها في الاقتصاد الوطني بنحو 38 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، بينما نسجل ضعفا ملحوظا في الاستثمارات المبنية على القروض البنكية.

 وماذا عن مشاريع الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب "أونساج" ؟

يعود الإقبال على البنوك من أجل تمويل هذا النوع من المشاريع إلى تحمل الحكومة لهامش الفائدة، ولكن في العموم هناك نوع من ضعف المرونة في الطلب على القروض البنكية.

 وما هي الحلول التي ترونها مناسبة ؟

يجب رفع القيود على القروض واعتماد الأدوات البنكية المبنية على الشريعة الإسلامية، حيث نسجل تطبيقا تدريجيا لهذه الفكرة من خلال دخول 03 بنوك إلى الجزائر (البركة، السلام والبنك العربي الخليجي)، والتي تمكنت من استقطاب سيولة معتبرة من الأموال، إلا أن عملية إعادة ضخ هذه السيولة مجددا في المجال الاستثماري تواجه عدة عوائق تعود أساسا إلى مناخ الأعمال غير المشجع على الاستثمار، وبالتالي نلاحظ أن سيولة البنوك سالفة الذكر تذهب إلى الاستهلاك عن طريق المرابحات بشكل كبير والتي لا علاقة لها بالاستثمار وإنما بالسلوك الاستهلاكي.

 وهل من حلول أخرى لاستقطاب السيولة نحو البنوك ؟

أقترح تغيير عملة الدينار من أجل استقطاب السيولة المتداولة خارج البنوك، كون أن هناك حاجز بين الادخار والاستثمار، ما ساهم بشكل ملحوظ في ارتفاع نسبة التضخم المقدرة حاليا بـ 8.6 في المائة، فهذا الحل من شأنه تقوية الدينار ولو مؤقتا في انتظار إيجاد حلول نهائية تكون عن طريق تطهير السياسة النقدية برفع القيود على مناخ الأعمال مثلما قلت.

 ما هو تقييمك لأداء هذا النوع من البنوك ؟

نظرا لانتعاش وكثافة السيولة لهذه البنوك، فإنها تتجه تدريجيا من تمويل الاستهلاك إلى تمويل السكنات عن طريق التمليك بواسطة الإيجار مع تقديمها مقترحات للحكومة بهدف تمويل المشروعات الكبرى، لا سيما السكك الحديدية والموانئ والطرقات.

 وهل لقيت تجاوبا من الحكومة ؟

ليس بعد، فهكذا مشاريع لم تنطلق نظرا لغياب الآليات القانونية، وما يطرح حاليا هو قابلية الاقتصاد الوطني لاستيعاب التمويل الإسلامي من خلال إطلاق سندات خزينة معفاة من الفوائد، والتي تعتبر إشارة أولى إلى "الدين الداخلي العام بدون فوائد" وهي فرصة مواتية أمام الجزائريين لاكتشاف فرص جديدة في التمويل الوطني مبنية على صيغ العقود الإسلامية، وهي سلة واسعة في عديد النشاطات والقطاعات كالتجارة، الصناعة، الفلاحة، الري، المعرفة، المشاركة في رأس المال وفي العمل، المساقاة، المزارعة، بيع الوديعة، الاستصناع، بيع السلم، المرابحة، التأجير، تمليك وإيجار المساكن وغيرها، ما من شأنه أن يتيح للحكومة متنفسا ليس فقط لاستقطاب السيولة الموجودة في السوق الموازية ولكن ضخها من جديد عن طريق البنوك التي تتداول نحو 10 مليار دولار فقط.

 في نظركم، ما هي التحديات التي تواجه البنوك الإسلامية في الجزائر ؟

البنوك الاسلامية في الجزائر الآن لا تزال مقيدة بمناخ الأعمال الذي يعيقها كما يعيق التقليدية بسبب البيروقراطية ووصاية البنوك الجزائرية عليها، وكذا سياسة الاستثمار المعقدة وعوائق الحصول على رخص العقار الصناعي والفلاحي والكهرباء والغاز، التنافسية، وهي كلها مؤشرات محددة عالميا تمس جميع هيئات التمويل سواء تعلق الأمر بالبنوك الإسلامية أو غيرها.

فحتى البورصة في الجزائر ضعيفة بسبب مناخ الأعمال دائما والذي لا يشجع المؤسسات الخاصة على الدخول في البورصة الموجهة حصريا إلى المؤسسات العمومية، ما يحول دون تمكن المؤسسات المصغرة والصغيرة العائلية من توسيع رأس مالها، وهو ما يتطلب تدخلا عاجل من طرف الحكومة لرفع القيد عن مناخ الأعمال.

 بمعنى...

سيؤدي رفع القيد على الاستثمار إلى رفع القيد على التمويل وبالتالي بعث روح المنافسة بين البنوك المطالبة بتحسين جودة خدماتها وضخ دماء جديدة في الاقتصاد الوطني.

 وماذا عن الواقع المصرفي العالمي وموقف الدول الأجنبية من التعاملات البنكية الإسلامية ؟

السائد الآن عالميا حتى في أمريكا وألمانيا والسويد هو "مصطلح التمويل الإسلامي"، الذي يجب أن يتم فيه إدراج البنوك وشركات التأمين والبورصة والجباية، مع أسلمة البنوك التقليدية من خلال فتح رواق جديد أو تعديل النقد والقرض من خلال استحداث "شركات للبنوك الإسلامية".

 كونكم خبير اقتصادي، كيف تقيمون واقع الاقتصاد الوطني حاليا ؟

أرى أن الجزائر تمر بمرحلة انتقالية من نموذج النمو المبني على الريع أي النمو الكلاسيكي إلى نموذج نمو جديد عرض في أشغال اجتماع الثلاثية ما قبل الأخير في بسكرة وأعلن عنه الصيف الماضي وبدئ العمل به خلال السنة الجارية، قصد رفع النمو إلى نسبة 7 في المائة وتطوير القطاعات خارج المحروقات مع ترشيد الميزانية بـ 19 مليار دولار العام الجاري واعتماد ميزانية متعددة السنوات إلى غاية 2019 بمؤشرات ثابتة سواء من حيث الكلفة أو التضخم أو النمو.

 وما هو المطلوب من الحكومة لإنجاح هذا المسعى ؟

يجب الشروع في وضع بطاقات فنية وتقنية لهذا النموذج لكي يصبح قابلا للتطبيق توخيا لتبعات الأزمة المالية، لا سيما وأنه على المستوى الماكرو كل المؤشرات حمراء، سواء ما تعلق الأمر بميزان المدفوعات والميزان التجاري واحتياطي الصرف الذي سينزل لأول مرة تحت الـ 100 مليار دولار، حيث سيبلغ شهر جويلية القادم 96 مليار دولار، فضلا عن مشكل السيولة خارج البنوك وارتفاع نسبة التضخم إلى 10 بالمائة، وارتفاع الأسعار وبالتالي فإن الملامح الأولى للأزمة المالية قد لاحت في الأفق، ما يضعنا أمام مواجهة صعبة معها تستدعي رفع الرهان وتجاوزها بسلام والتعامل معها بنجاعة.

 

الأكثر قراءة